اسماعيل بن محمد القونوي

243

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الشيء مشتبها بغيره ) لأنه قد ينفك عنه كخلط الحنطة بالشعير وفيه أيضا إشارة إلى أن هذا المعنى اللازم يصح أن يكون هو المراد هنا إذ الخلط الحقيقي وإن كان يتصور بين الحق والباطل لكن يراد لازمه والداعي إلى هذا التعبير للمبالغة في ذلك واختار كون هذا مجازا لأن اللفظ إذا دار بين كون المعنيين حقيقة بالإشراك اللفظي وبين كونه في أحدهما حقيقة وفي الآخر مجاز فالحمل على الأخير أولى وما اختاره هو المفهوم من كلام الجوهري وكلام الأساس حيث قال في بيان الحقيقة التبس عليه الأمر وفي أمره لبس ولبسة بالضم إذا لم يكن واضحا محمول على أنه حقيقة عرفية حتى قيل إن دأبه أن يلحق الحقيقة العرفية إلى الحقيقة الأصلية فيذكرها في قسمها انتهى . لكن ينبغي أن يقيد بقيام القرينة على ذلك وإلا لارتفع الأمان في مقام البيان . قوله : ( والمعنى لا تخلطوا الحق المنزل ) وهو ما في التورية ( بالباطل الذي تخترعونه وتكتمونه حتى لا يتميز بينهما أو ولا يجعلوا الحق ملتبسا بسبب خلط الباطل ) إليها الأحبار وعين الأشرار وهذا بناء على المعنى الحقيقي اللبس فالباء حينئذ صلة لا تلبسوا فالظاهر أن الكلام على القلب والمعنى ولا تلبسوا ولا تخلطوا الباطل بالحق المنزل لكن للمبالغة اختير ذلك ووصف الباطل باختراعهم الكلام بيان للواقع فلا مفهوم إذ أحبارهم إنما يخلطون بالتورية مخترعاتهم فاللام في الموضعين للعهد وكذا الكلام في تقييد الحق بالمنزل وإلا فاختلاط كل باطل بالحق مطلقا منهي عنه لكن خصوص الحادثة يقتضي التقييد في الموضعين وإنما قال هنا تكتبونه لأن الخلط الحقيقي إنما يظهر ظهورا تاما بالكتابة حيث قوله : والمعنى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه بيان لارتباط هذا النهي بالنهي المقدم إذ قد بين أن ذلك نهي عن تحريف كتابهم المنزل بأخذ الرشى فإن التحريف يكون إما بخلط ما يخترعونه ويكتبونه بالحق الذي أنزل إليهم وهو الوجه الأول من تأويلي معنى اللبس أعني الخلط وقوله أو لا تجعلوا الحق ملتبسا الخ مبني على الوجه الثاني من تأويله أعني معنى الاشتباه فإن عروض الاشتباه إما بخلط المخترع وجعله في أثناء الحق أو بتأويل ما فيه وصرفه عن منطوقه الصريح إلى ما يلائم مشتهيات نفوسهم وتلخيص الكلام أن الباء في بالباطل إن كانت صلة مثلها في قولك لبست الشيء بالشيء وخلطه كان المعنى ولا تكتبوا في التورية ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم حتى لا يميز بين حقها وباطلكم وإن كانت للاستعانة كالتي في قولك كتبت بالقلم كان المعنى ولا تجعلوا الحق ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه والفرق أن التخليط يستدعي مخلوطا فإذا جعلت صلة كان بالباطل مفعولا مثل الأول فخلطهم أن يكتبوا شيئا آخر ويجعلوه في خلال المنزل وإذا جعلت للاستعانة كان المنهي جعل مكتوبهم سببا للاشتباه فالمعنى ولا تجعلوا الحق مشتبها بسبب باطلكم فالمعنى بالنهي الأول المدلول عليه بقوله : وَلا تَشْتَرُوا [ البقرة : 41 ] الآية وهو تحريف التورية بأخذ الرشى مسبب عن المنهي بالنهي الثاني المفاد بقوله : وَلا تَلْبِسُوا [ البقرة : 42 ] الآية فإن التحريف إنما يكون إما بسبب خلط ما ليس منها بها أو بتأويل شيء من أحكامها بما ليس مرادا من اللفظ فالمقصود من الآيتين النهي عن مباشرة المسبب وسببه جميعا ولذلك عطفت الثانية على الأولى بالواو الجامعة .